اسد حيدر

37

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

وفي السنة الثانية أباح مدينة الرسول وأصبح جنده يجوسون خلال ديار الوحي ليفسدوا فيها ويهلكوا الحرث والنسل ، يتدفقون في شوارع ذلك البلد الطيب ، يهجمون على البيوت ، ليهتكوا أعراضا ، ويسلبوا أموالا ، فلا تزعجهم أصوات النساء المعولات على أزواجهن وأولادهن . ولم تلن قلوبهم لأنين الأطفال وذعرهم . وترى مخدرات ذلك البلد كأسراب القطا تتخطفها البزاة الجارحة ، أو كقطعان الغنم تتناهبها الذئاب الضارية ، فهن تحت تصرف أولئك الوحوش ثلاثة أيام يفعلون ما شاءوا ، ومروان بن الحكم ينظر الفجائع فيهتز طربا ومرحا يعجبه أن يرى شيوخ الصحابة ووجوه العرب وأبطال الإسلام يقادون لقائد الجيش ليأخذ منهم البيعة ليزيد بيعة عبودية . فبعين اللّه ما لقيت الأمة ، ولا تخفى على اللّه خافية في الأرض ولا في السماء . وفي السنة الثالثة هدم الكعبة ولعلها أبلغ أمنية لنفس الأمويين وأعظم إنجاز لعائلتهم أن ينالوا من البيت الذي كان مهبط الوحي على ابن عبد اللّه ( ص ) وقبلة الإسلام الذي قضى على مكانتهم وأباد رجالهم ، وحرم التوحيد والإيمان ، فبنار مجانيقهم يكون يوما بيوم هبل واللات والعزى . هذا هو ولي عهد معاوية الذي عرف لياقته للحكم وصلاحيته للأمر . فلنترك عهده ونتخطى فظائعه بدون تفصيل فهي أشهر من أن تذكر ، وإن ربك لبالمرصاد . فلم يطل عهده وأراح اللّه منه الأمة واللّه شديد الانتقام . تحول الحكم من آل أبي سفيان إلى بني الحكم : وتحول الأمر من بعد يزيد بن معاوية من آل أبي سفيان إلى بني الحكم لأن عهد معاوية بن يزيد « 1 » لم يطل وقد فر بنفسه من ولاية ورثها بدون حق ، وهو يعرف أهلها ، وإن أباه وجده غاصبون لها ، فصرح بذلك في خطبته فقال :

--> ( 1 ) معاوية بن يزيد أبو عبد الرحمن ويقال أبو يزيد ويقال أبو ليلى استخلف بعهد من أبيه في ربيع الأول سنة 64 وكان شابا صالحا وكانت مدة خلافته أربعين يوما ولم يخرج إلى الناس بعد هذه الخطبة ولا فعل شيئا ولا صلّى بالناس ومات وهو ابن 21 سنة وقيل 23 وقيل غير ذلك ودفن بمقابر باب الصغير بدمشق ولما حضرته الوفاة قيل له ألا توصي فقال : لا أتزود مرارتها وأترك حلاوتها لبني أمية ولما دفن حضر مروان دفنه فقال أتدرون من دفنتم ؟ قالوا نعم معاوية بن يزيد فقال : مروان نعم هو أبو ليلى الذي يقول فيه الغزاري : إني أرى فتنة تغلي مراجلها * والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا